ابن عطية الأندلسي
171
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
نخلفكم ، فنزلت هذه الآية ، ويقال إن السبب أن اليهود قالت : إن اللّه تعالى أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل ، قاله ابن عباس وقتادة ، وقالت طائفة : قالت اليهود إن في التوراة أن طول جهنم مسيرة أربعين سنة وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم ، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد وابن جريج : إنهم قالوا إن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإن اللّه تعالى يعذبهم بكل ألف سنة يوما . و أَتَّخَذْتُمْ أصله « ايتخذتم » ، وزنه افتعلتم من الأخذ ، سهلت الهمزة الثانية لامتناع جمع همزتين فجاء « ايتخذتم » فاضطربت الياء في التصريف فجاءت ألفا في ياتخذوا وواوا في « موتخذ » فبدلت بحرف جلد ثابت وهو التاء وأدغمت ، فلما دخلت في هذه الآية ألف التقرير استغني عن ألف الوصل ، ومذهب أبي علي أن أَتَّخَذْتُمْ من « تخذ » لا من « أخذ » وقد تقدم ذكر ذلك . وقال أهل التفسير : العهد من اللّه تعالى في هذه الآية الميثاق والوعد ، وقال ابن عباس وغيره : معناه هل قلتم لا إله إلا اللّه وآمنتم وأطعتم فتدلون بذلك وتعلمون أنكم خارجون من النار ؟ ، فعلى هذا التأويل الأول يجيء المعنى : هل عاهدكم اللّه على هذا الذي تدعون ؟ وعلى التأويل الثاني يجيء : هل أسلفتم عند اللّه أعمالا توجب ما تدعون ؟ ، وقوله فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ اعتراض أثناء الكلام . و بَلى رد بعد النفي بمنزلة نعم بعد الإيجاب ، وقال الكوفيون : أصلها بل التي هل للإضراب عن الأول وزيدت عليها الياء ليحسن الوقف عليها وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام بما يأتي بعدها ، وقال سيبويه : هي حرف مثل بل وغيره ، وهي في هذه الآية رد لقول بني إسرائيل لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ * فرد اللّه عليهم وبين الخلود في النار والجنة بحسب الكفر والإيمان ، و مَنْ شرط في موضع رفع بالابتداء ، و « أولئك » ابتداء ثان ، و أَصْحابُ خبره ، والجملة خبر الأول ، والفاء موطئة أن تكون الجملة جواب الشرط . وقالت طائفة : السيئة الشرك كقوله تعالى وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [ النمل : 90 ] ، والخطيئات كبائر الذنوب ، وقال قوم : « خطيئته » بالإفراد ، وقال قوم : السيئة هنا الكبائر ، وأفردها وهي بمعنى الجمع لما كانت تدل على الجنس ، كقوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] ، والخطيئة الكفر ، ولفظة الإحاطة تقوي هذا القول وهي مأخوذة من الحائط المحدق بالشيء ، وقال الربيع بن خيثم والأعمش والسدي وغيرهم : معنى الآية مات بذنوب لم يتب منها ، وقال الربيع أيضا : المعنى مات على كفره ، وقال الحسن بن أبي الحسن والسدي : المعنى كل ما توعد اللّه عليه بالنار فهي الخطيئة المحيطة ، والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في المشركين ، ومستعار بمعنى الطول والدوام في العصاة وإن علم انقطاعه ، كما يقال ملك خالد ويدعى للملك بالخلد . وقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية . يدل هذا التقسيم على أن قوله مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً الآية في الكفار لا في العصاة ، ويدل على ذلك أيضا قوله : أَحاطَتْ لأن العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئته ، ويدل على ذلك أيضا أن الرد كان على كفار ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة فهم المراد بالخلود ، واللّه أعلم . قوله عزّ وجل : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلّا اللّه وبالولدين إحسانا وذي القربى واليتامى